“قرد المنصورة الذي أصبح أسطورة المسرح”.. سيرة الضحك والألم في حياة أمين الهنيدي

في واحدة من أكثر الاعترافات صدقًا وجرأة، يفتح الفنان أمين الهنيدي صفحات طفولته الأولى، كما لو كان يستعيد “دقات المسرح الثلاث” التي تسبق رفع الستار، معلنًا بداية عرض حياته على خشبة القدر. يقول إن حياته بدأت بصرخة مزدوجة: صرخة ميلاد وصرخة أم مفجوعة، حين فتحت والدته عينيها عليه في اللحظة الأولى وقالت بدهشة ممزوجة بالفزع: “قرد!”.

 

ولد الهنيدي عام 1925 في مدينة المنصورة، المدينة التي اشتهرت بالجمال والهدوء، لكنه رأى نفسه استثناءً على القاعدة منذ البداية. والده، الموظف في مصلحة السجون، انعكست طبيعة عمله على أسلوبه في تربية أبنائه، حيث كان يعاملهم كما لو كانوا “سجناء صغارًا”، يصطفون في طابور واحد للحلاقة والتنظيم، في بيت بلغ عدد أفراده خمسة أبناء، كان هو “واسطة العقد” بينهم، لكنه أيضًا هدفًا دائمًا لمزاح الأب القاسي، الذي كان يطلق عليه لقب “قرد” كلما أخطأ.

 

هذه الكلمة البسيطة، كما يروي، لم تكن عابرة، بل استقرت في أعماقه وشكلت جزءًا من شخصيته لاحقًا، إذ دفعته إلى حب التقليد ومحاولة إثبات ذاته. فكان يقلد والده في حركاته وأوامره، ويحوّل مشاهد البيت اليومية إلى عرض كوميدي حيّ يخفف به أعباء الحياة، بل ويقلد حتى الجيران، في مشاهد أقرب إلى المسرح الصامت.

 

ورغم صرامة الأب، كانت الأم مصدر الحنان الأول، تمنحه حماية خاصة بسبب إحساسها بأنه طفل مختلف، ربما أقل حظًا في الجمال مقارنة بإخوته، فكانت تعوضه بعطف مضاعف، مما جعله شديد الارتباط بها، حتى أصبح “ابن أمه” كما يصف نفسه.

 

في المدرسة والشارع، وجد الهنيدي نفسه محاصرًا بالسخرية، فاختار طريقين متوازيين: القوة والضحك. مارس الملاكمة ليحمي نفسه من التهكم، وفي الوقت نفسه لجأ إلى الفن ليصنع لنفسه حضورًا مختلفًا، فبدأ يقلد كبار الفنانين مثل إسماعيل ياسين وثريا حلمي، ليصبح نجم حفلات المدرسة بلا منازع.

 

وعندما وصل إلى المرحلة الثانوية، وقف أمام مفترق طرق حقيقي: الفن أم الدراسة؟ كان يحلم بكلية الفنون الجميلة، لكنه اصطدم برغبة والده الذي اختار له كلية الآداب، ثم قسم التاريخ تحديدًا، رغم ميوله للجغرافيا، ليبدأ رحلة جامعية لم تمحُ فيها الموهبة بل ازدادت اشتعالًا.

 

داخل الجامعة، التقى بمجموعة من عشاق الفن، مثل محمد أبو يوسف وكامل يوسف وأنور المشري، حيث بدأت العروض المسرحية الجامعية تشكل عالمه الحقيقي. ورغم محاولات التحقق من شخصيته الجامعية، كان الجمهور يندهش من موهبته، حتى إنهم كانوا يفحصون بطاقته قبل دخوله المسابقات للتأكد أنه طالب وليس فنانًا محترفًا.

 

لكن مسار الجامعة لم يكن كافيًا لإشباع شغفه، فشارك في فرق شعبية في شارع محمد علي، حيث كان يلقي المونولوجات وسط فرق موسيقية، مقابل نقوط بسيط يُقسم بين أعضاء الفرقة، بينما كان نصيبه الرمزي هو التصفيق فقط، وهو ما اعتبره أول مكافأة حقيقية للفن في حياته.

 

من خلال هذه الرحلة، يتضح أن حياة أمين الهنيدي لم تكن مجرد سيرة فنان، بل قصة طفل وُلد وسط السخرية، فحوّل الألم إلى ضحك، والرفض إلى موهبة، حتى صار واحدًا من أبرز نجوم الكوميديا في تاريخ الفن المصري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى